الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
412
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
مِنَ الْمُسْلِمِينَ « 1 » إلى غير ذلك . ولأن الإيمان أخص من الإسلام ، كما هو مذهب كثير من العلماء ، وليس خاصا بهذه الأمة ، بل يوصف به كل من دخل في شريعة مقرّا باللّه وبأنبيائه ، كما قال الراغب . * ومنها : أن شريعتهم أكمل من جميع شرائع الأمم المتقدمة ، وهذا لا يحتاج إلى بيانه لوضوحه . وانظر إلى شريعة موسى - عليه السّلام - ، فقد كانت شريعة جلال وقهر ، أمروا بقتل نفوسهم ، وحرمت عليهم الشحوم وذوات الظفر وغيرها من الطيبات ، وحرمت عليهم الغنائم ، وعجلت لهم من العقوبات ما عجل ، وحملوا من الآصار والأغلال ما لم يحمله غيرهم . وكان موسى - عليه السّلام - من أعظم خلق اللّه هيبة ووقارا وأشدهم بأسا وغضبا للّه ، وبطشا بأعداء اللّه ، فكان لا يستطاع النظر إليه . وعيسى - عليه السّلام - كان في مظهر الجمال ، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان ، وكان لا يقاتل ولا يحارب ، وليس في شريعته قتال البتة ، والنصارى يحرم عليهم في دينهم القتال ، وهم به عصاة ، فإن الإنجيل يأمر فيه : أن من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك ، ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين ، ونحو هذا ، وليس في شريعتهم مشقة ولا إصر ولا أغلال . وأما النصارى فابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم ولم تكتب عليهم . وأما نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - فكان مظهر الكمال ، الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في اللّه ، واللين والرأفة والرحمة فشريعته أكمل الشرائع ، وأمته أكمل الأمم ، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات ، ولذلك تأتى شريعته - صلى اللّه عليه وسلم - بالعدل إيجابا له وفرضا ، وبالفضل ندبا إليه واستحبابا ، وبالشدة في موضع الشدة ، وباللين في موضع اللين ، ووضع السيف موضعه ، ووضع الندى موضعه ، فيذكر الظلم ويحرمه ، والعدل ويأمره به ، والفضل ويندب
--> ( 1 ) سورة الذاريات : 36 .